فخر الدين الرازي

400

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عامر وأبو بكر عن عاصم كله على الجمع . حجة من جمع أن الرسل يبعثون بضروب من الرسالات وأحكام مختلفة في الشريعة ، وكل آية أنزلها اللَّه تعالى على رسوله صلى اللَّه عليه وسلم فهي رسالة ، فحسن لفظ الجمع ، وأما من أفرد فقال : القرآن كله رسالة واحدة ، وأيضا فإن لفظ الواحد قد يدل على الكثرة وإن لم يجمع كقوله وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [ الفرقان : 14 ] فوقع الاسم الواحد على الجمع ، وكذا هاهنا لفظ الرسالة وإن كان واحدا إلا أن المراد هو الجمع . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إن قوله وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ معناه فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته ، فأي فائدة في هذا الكلام ؟ أجاب جمهور المفسرين بأن المراد : أنك إن لم تبلغ واحدا منها كنت كمن لم يبلغ شيئا منها ، / وهذا الجواب عندي ضعيف ، لأن من أتى بالبعض وترك البعض لو قيل : إنه ترك الكل لكان كذبا ولو قيل أيضا : إن مقدار الجرم في ترك البعض مثل مقدار الجرم في ترك الكل فهو أيضا محال ممتنع ، فسقط هذا الجواب . والأصح عندي أن يقال : إن هذا خرج على قانون قوله : أنا أبو النجم وشعري شعري ومعناه أن شعري قد بلغ في الكمال والفصاحة إلى حيث متى قيل فيه : إنه شعري فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يمكن أن يزاد عليها ، فهذا الكلام يفيد المبالغة التامة من هذا الوجه ، فكذا هاهنا : فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته ، يعني أنه لا يمكن أن يوصف ترك التبليغ بتهديد أعظم من أنه ترك التبليغ ، فكان ذلك تنبيها على غاية التهديد والوعيد واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوها : الأول : أنها نزلت في قصة الرجم والقصاص على ما تقدم في قصة اليهود . الثاني : نزلت في عيب اليهود واستهزائهم بالدين والنبي سكت عنهم ، فنزلت هذه الآية . الثالث : لما نزلت آية التخيير ، وهو قوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ * [ الأحزاب : 28 ] فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدنيا فنزلت . الرابع : نزلت في أمر زيد وزينب بنت جحش . قالت عائشة رضي اللَّه عنها : من زعم أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد أعظم الفرية على اللَّه ، واللَّه تعالى يقول : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ولو كتم رسول اللَّه شيئا من الوحي لكتم قوله وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [ الأحزاب : 37 ] الخامس : نزلت في الجهاد ، فإن المنافقين كانوا يكرهونه ، فكان يمسك أحيانا عن حثهم على الجهاد . السادس : لما نزل قوله تعالى : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الأنعام : 108 ] سكت الرسول عن عيب آلهتهم فنزلت هذه الآية وقال بَلِّغْ يعني معايب آلهتهم ولا تخفها عنهم ، واللَّه يعصمك منهم . السابع : نزلت في حقوق المسلمين ، وذلك لأنه قال في حجة الوداع لما بين الشرائع والمناسك ( هل بلغت ) قالوا نعم ، قال عليه الصلاة والسلام : « اللّهم فاشهد » الثامن : روي أنه صلى اللَّه عليه وسلم نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه عليها ، فأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال : يا محمد من يمنعك مني ؟ فقال « اللَّه » فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ، فأنزل اللَّه هذه الآية وبين أنه يعصمه من الناس . التاسع : كان يهاب قريشا واليهود والنصارى ، فأزال اللَّه عن قلبه